الشيخ السبحاني

271

رسائل ومقالات

القرآن في صفحة واحدة كما عليه بعض ؟ « 1 » ، فلو كان هذا المراد ، لكان عليه أن يأمرهم بفصل الحديث عن القرآن في الكتابة لا إحراق الحديث ولا النهي عن بثّه بين الناس . وقد سعى الخطيب البغدادي في تبيين هذا الوجه ، فقال : قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل ، إنّما هي لئلّا يضاهي بكتاب اللَّه غيره ، أو يشتغل عن القرآن بسواه ، - إلى أن قال : - ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدَّته لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت ، والمميّزين بين الوحي وغيره ، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ، ولا جالسوا العلماء العارفين ، فلم يؤمن أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف ، بالقرآن ، ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن . « 2 » أقول : إنّ تبرير المنع عن كتابة الحديث لمخافة اختلاط القرآن به أشبه بدفع الفاسد بالأفسد ، سواء أُريد الكتابة في صفحة واحدة أو في صحائف متعدّدة ، وذلك : أوّلًا : انّ العناية بحفظ القرآن ونشره وبسطه بين المسلمين ، تمنع من اختلاطه بأي شيء غيره ، وقد أثبتت التجربة صحّة هذا ، حيث أكبّ المسلمون على كتابة الحديث من القرن الثاني إلى يومنا هذا ولم يتطرق الحديث إلى آي القرآن وسوره . ثانياً : انّ القرآن متميز بأُسلوبه وبلاغته عن أُسلوب الحديث وبلاغته ، فإنّ

--> ( 1 ) . تيسير الوصول : 3 / 177 . ( 2 ) . تقييد العلم : 57 .